خريف البطريرك

عن الوعى و القضية

18 يناير 2009 · أترك تعليقا

بمتابعة المقالات الصحفية التى تابعت ضرب غزة بالرأى أو التحليل , نجد أن تلك المقالات قد تميزت اما بتلونها باتجاه كاتبها السياسى , أو نزوعها الى الجانب الانسانى دون تحليل , أو برؤية المثقف المغلوب على أمره مابين أحداث مختلفة لا يستطيع أن يجد لها خط متصل , فالاحداث أشبه بلوحة سريالية  تتحور فيها الابعاد المألوفة لتخلق لوحة لم  تراها بهذا الشكل من قبل , : فبين ضرب غزة , و الموقف العربى عموما و  الموقف المصرى خصوصا , و القاء اللوم على الجانب المصرى بفضل ظرف جغرافى سياسى يعد  سابقة فى الاحداث و تحالفات مصر الاخرى , و نداءات المقاومة أو رمى اللوم على حماس , و حرب القمم و ان كانت تنافس عربى أو تنافس خليجى  كل هذا خلق جدال فى “الوطن” العربى يتجاوز فى أهميته أهمية الحدث : فغياب الرؤية التى ترى الحدث أفجع من بشاعته

و على استحياء ظهرت كلمة القضية , تتفاداها الخطب أو تزايد عليها , فهل لنا من وقفة مع القضية؟

هل القضية هى فلسطين؟ أم ان فلسطين هى وجه للقضية؟ و غزة هى وجه لفلسطين؟

تتميز رؤيتنا للمشكلة الفلسطينية الاسرائيلية بحصرها فى نطاق الارض , أرض فلسطين المحتلة من قبل الاسرائيليين , دافعا فيه هو الروح القومية و التعاطف مع أبناء لغتنا , و ذلك يشكل نظرتنا للقضية و أحداثها فى :مجازر صابرا و شاتيلا , مجزرة غزة  , دون ان تكتسب أحداث أخرى أهمية فى نظرتنا كضرب المفاعل العراقى أو المساندة اللوجيستية للملكيين اليمنيين فى حرب اليمن

فى حين ان الدول الغربية لا تهتم بمشكلة الفلسطينيين فى  نظرتها لاسرائيل , فنظرتها للصراع على انه الصراع العربى – الاسرائيلى , و ان كانت تلك النظرة كانت سائدة فى النصف الثانى من القرن العشرين قبل انتهاء الصراع الفعلى و التطبيع العربى

و لنخرج من النظرة القومية الضيقة , لرؤية البعد العالمى لوجود اسرائيل , نرجع فى التاريخ الى بداية وجود اسرائيل , بدعم من الدول الغربية , لماذا وجدت؟ كيف تعامل الغرب معها و كيف تكونت نظرته اليها و تشكلت منذ انشائها و حتى الان؟

ترجع بدايات فكرة انشاء اسرائيل و تبنى الدول الغربية لذلك المشروع الى مشكلة ظهرت فى التاريخ الاوروبى مع التحول من الاقتصاد الاقطاعى القائم على تملك الارض و التجارة الى اقتصاديات التصنيع , و الوجود اليهودى فى أوروبا و الادوار التى كانت منوطة اليهم
اذ كانت أغلب الجماعات اليهودية تعمل فى تجارة الاقطاعيات مكونين بذلك شبكة تجارية واسعة , أو فى اعمال مقترنة بمباشرة أراضى الاقطاعيين بوصفهم وكيل عنه , و خصوصا اذا كان أهل تلك الاراضى لا ينتمون الى جنسية السيد الاقطاعى , فيأتى ببضع عائلات يهودية تباشر أعماله مما يجنبه تحالفهم مع الاهالى ما دام وجودهم يرتبط بوجوده
و مع تحول أوروبا الى اقتصاديات التصنيع , و جدت الجماعات اليهودية و قد فقدت أدوارها فى ذلك العالم الجديد , فالمصنع يقوم أيضا بدور التجاره و اختلافهم العرقى لا يمثل فائدة فى عالم يأخذ فيه التخصص و تقسيم العمل أهمية العرق , فظرت المشكلة التى تمت تسميتها بالمسألة اليهودية : يهود بلا أهمية فى النظام الجديد , يختلفون اثنياً عن باقى سكان أوروبا و عدم كفائتهم فى مجتمعاتهم
و على الرغم من ان تلك المسألة تغلفت بمظهر ثقافى : اختلاف اليهود , الا ان أصلها اقتصادى – اجتماعى : عدم كفائة اليهود فى النظام الجديد لاختفاء دورهم القديم , و كل اختلافهم الذى كان يميزهم سابقا صار عبئا عليهم و على مجتمعاتهم , فالجيتو مثلا لم يكن دائما هو المكان القذر الذى يعيش فيه اليهود بعيدا عن مجتمعات بلادهم , فقبل ذلك كان بمثابة الاحياء الراقية المنعزلة التى يعيش فيها اليهود و يقومون بأهمالهم المرتبطة باقتصاد الاقطاع مع المحافظة على تميزهم الطبقى و خصوصيتهم الاثنية ,  و كما اختلف الجيتو اختلفت النظرة لليهود , و ظهر مصطلح ( اليهودى النافع و هو اليهودى الذى استطاع خلق مكان له فى النظام الجديد بعكس ( اليهودى الغير نافع) الذى مازال بلا مكان و سبب المشكلة
و قد اختلفت الرؤى الاوروبية لحل تلك المسألة , و قد كانت تصفية هتلر لليهود تعد ” الحل النهائى” الذى يجتز تلك المشكلة من أساسها , و بانقضاء الحرب العالمية الثانية وجد الحل , فقبل ذلك بسنوات كان بلفور قد وجد بداية حل تلك المسألة: نقل المشكلة خارج نطاق أوروبا و تصديرها الى مكان اخر , و على الرغم من أن فلسطين كانت اختيار بلفور فقد نوقش قبل ذلك بدائل أخرى كأوغاندا و شبه جزيرة سيناء
و لارتباط تاريخ اسرائيل بالغرب حضارياو استراتيجيا , بانتهاء الحرب العالمية الثانية و استقرار الوضع ما بعد 1948 , و بداية الحرب الباردة , و انتهاء الصراع بين الولايات المتحدة و بريطانيا على فرض النفوذ فى الشرق الاوسط الغنى بالنفط لصالح الولايات المتحدة , و رثت أمريكا المصالح البريطانية فى السعودية , و مع بدايات ثورة 1952 و بنبرتها شبه الاشتراكية فى بداياتها , كانت مصر تتمايل بين الاتحاد السوفيتى و أمريكا فى تلقى الدعم, و كان هذا فى أوج الحرب الباردة
و بحسم اتجاه مصر للاشتراكية بعد رفض أمريكا تمويل السد العالى , تلاقت مصالح اسرائيل و أمريكا , أمريكا فى مواجهة النفوذ السوفيتى فى المنطقة , و رغبة اسرائيل التوسعية و ضمان وجودها , و كان ذلك الحجر الأخير فى بناء التحالف الاسرائيلى الامريكى الاستراتيجى
و لذلك  فان الرؤية المصرية للصراع  وقتذاك لم يكن فلسطين , بل النفوذ المصرىية المدعومة بالاتحاد السوفيتى و كانت ذات  صبغة قومية تحررية ضد النفوذ الامريكى ممثل فى اسرائيل و السعودية بطابعه الرأسمالى السلطوى ( السعودية) و التوسعى ( اسرائيل) و ساعدت تلك الرؤية الواضحة للقضية على  اجماع قوى الشعب حول هدف واحد : التحرر من التبعية , بناء الوطن
ثم أتى السادات , الذى كان رأى انه من المفيد تغيير التحالفات , و لا أعلم ان كان رأى ارهاصات سقوط الاتحاد السوفيتى أو لم يكن يعنى بذلك , و لكنه وجد من الافضل نقل اللعبة الى الايدى الامريكية و ارتباط اقتصاد مصر بالرأسمالية الامريكية و سياستها بسياساته , و لسنا هنا بصدد التحدث عن اختلاف التبعية لأمريكا بالمقارنة بالتحالف الاستراتيجى مع القوى الحمراء , و لكن ما يهمنا انه بعد أن كانت لمصر السيادة على قرارها السياسى  و مساحة الاختلاف الكبيرة التى كان من الممكن وجودها مع الاتحاد السوفيتى  و قد كان هذا لمصلحة الدولتين  , أصبح القرار المصرى تابعا للسيادة الامريكية , و ان كانت السيادة فى أصلهاالاعتقاد بالقدرة على ممارسة الدولة لسلطاتها على أرضها و رعاية مصالحها خارجها فان هذا الاعتقاد لم يصبح موجودا
و كان هذا المسمار الاول فى نعش الوحدة العربية , و لا أعنى بالوحدة وحدة السياسة أو المصالح , بل وحدة المصير و الرؤية و الاولويات , و انتهت المصلحة المشتركة لصالح الحسابات الخاصة , و خلقت كل هزيمة لليسار فى مصر  هذا فراغا فى الوعى العام مالبث الاسلام السياسى ان حاول ملأه
فعلى الرغم من ان السادات استعان بالاسلام السياسى لسحب البساط من تحت ارجل اليسار , الا ان العامل الاهم لانتشار الفكر الدينى كان هو غيبة الهدف و الرؤية ,فالفراغ الذى خلفه انسحاب اليسار كان لا بد من ملؤه , فأصبح  الصراع مع اسرائيل منصبا على ” فلسطين” و “القدس” بعد ان كان صراعا ضد الامبريالية ممثلة ً فى اسرائيل , و اكتسبت رؤيتنا للاحداث نظرة دينية : فالفدائى أصبح شهيد , و المقاومة أصبحت جهاد , ان هذا الاختلاف فى صياغة شكل القضية اكتسب خطورة أكبر , اذ انه أعاد تشكيل الوعى الجماهيرى  لها , فبما ان القضية أصبحت ذات طابع دينى اسلامى فليس من المستغرب ان تجد مسيحيو الشرق الاوسط أقل اهتماما بها , و لأن هناك من لا يتبنى الرؤية السلامية فى السياسة فأن معارضة دعوات الجهاد أصبحت مقبولة , و انحصر الحوار حول الجهاد و اللا جهاد بصرف النظر عن ابعاد القضية الاخرى , فالمصطلحات تعطى حقل دلالى تأسر المتكلم و المستمع فى زاوية محددة و تهمش نقاط أخرى , و بذلك فقد صاغ كلا منا مفاهيمة نحو القضية و أصبح يرى الامور بنظارة تلك المفاهيم , و بذلك ترى من يرى حرب لبنان على انها حرب طائفية بين ملل مختلفة , و تجد جواره من يراها أنها حرب مصالح بين قوى المنطقة , و كلٍ مقتنع بوجهة نظره و لديه فى تياره ما يؤكد له تلك الفكرة ,  و أصبح الوضع كما فى بابل القديمة , فبعد أن كان أهل بابل  جميعا يتكلمون لغة واحدة  غار الله من تجمعهم و بلبل السنتهم و تكلمت كل طائفة لغتها, فصار التواصل بينهم مستحيلا

→ Leave a Commentالتصنيفات : مقالات منفصلة